الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

164

نفحات الولاية

عَلَى إِحْدَاثِ بَعُوضَة ، مَا قَدَرَتْ عَلَى إِحْدَاثِهَا ، وَلَا عَرَفَتْ كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى إِيجَادِهَا » . فهذا الكلام لا يعد حقيقة إبان صدوره من الإمام عليه السلام آنذاك ، بل هوحقيقة واقعة اليوم ، ذلك أنّه لو اجتمع علماء العالم كافّة لخلق بعوضة لعجزوا عن ذلك ، لأنّ قضية بعث الحياة في الجمادات مستحيلة ، أضف إلى ذلك فإنّ بنية البعوضة من حيث الأجنحة والأرجل والدماغ والأعصاب وجهاز الهضم والانجاب على درجة من التعقيد والدقّة فغير الخالق سبحانه لا يستطيع المخلوق خلق بعوضة . وتشير كلّ عبارة من العبارات : « مَا قَدَرَتْ عَلَى إِحْدَاثِهَا ، وَلَا عَرَفَتْ كَيْفَ السَّبِيلُ إِلَى إِيجَادِهَا » إلى نقطة معينة ، فالعبارة الأولى تشير إلى عجز الإنسان والحيوان عن خلق بعوضة ، بينما تشير العبارة الثانية إلى الجهل بتلك الأسباب والعوامل . وقد ورد مثل هذا المعنى في القرآن الكريم بشأن خلق الذباب حيث قال تعالى : « انَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَواجْتَمَعُوا لَهُ » « 1 » . ثم قال عليه السلام : « ولَتَحَيَّرَتْ عُقُولُهَا فِي عِلْمِ ذلِكَ وَتَاهَتْ ، وعَجِزَتْ قُوَاهَا وَتَنَاهَتْ ، ورَجَعَتْ خَاسِئَةً « 2 » حَسِيرَةً « 3 » ، عَارِفَةً بِأَنَّهَا مَقْهُورَةٌ ، مُقِرَّةً بِالْعَجْزِ عَنْ إِنْشَائِهَا ، مُذْعِنَةً بِالضَّعْفِ عَنْ إِفْنَائِهَا ! » . نعم لو عزمت هذه البعوضة الصغيرة على أذى الإنسان وسائر الحيوانات ولم يحد اللَّه من انجابها لتكاثرت بشكل يضيّق الحياة على الإنسان ولعجزت كلّ المبيدات عن مواجهتها ، وما نشاهده اليوم من القضاء عليها في بعض المناطق بفعل المواد السامة فذلك لأنّها محدودة في انجابها وإلّا لكانت كالجراد في خروجها عن

--> ( 1 ) . سورة الحج ، الآية 73 . ( 2 ) . « خاسئة » من مادة « خسأ » على وزن « مدح » تعني في الأصل الذلّة وخاسىء بمعنى الذليل والعاجز . ( 3 ) . « حسير » من « حسر » على وزن « حبس » تعني في الأصل العري ورفع غطاء شيء ثم استعملت بمعنى الضعف والتعب .